الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي

340

المنقذ من التقليد

فلا يكون لهم عوض عند اللّه تعالى في الآخرة . ولا يجب في النفع الذي هو العوض أن يكون من جنس الملاذّ التي ألفها المعوّض وتعوّدها ، بل كلّ ما يكون لذّة ونفعا وإن لم يكن من جنس المعهود تصوّر كونه عوضا ، فانّ المعتبر في العوض بما يقابل الألم من النفع وما يجري مجراه ، وليس هو شيئا يرغب المؤلم في فعل أو ترك ، إذ ما يستحقّ المؤلّم به العوض ليس من فعله ولا تعلّق له به حتّى يرغب فيه ، وإنّما هو من فعل غيره فيه ، فهو كأروش الجنايات وقيم المتلفات ، بخلاف الثواب ، لأنّ المثاب يستحقّه على ما يكون من جهته ، فعلا وتركا ، إقداما وإحجاما ، وهو مرغب بالثواب والعلم باستحقاقه والوعد به في الطاعة فعلا وتركا والترغيب لا يحصل إلّا بالمعهود المألوف الذي تعوّده إذ لو وعد اللّه المثاب بغير المألوف ، كأن يقول للمكلّف : « لو أطعتني لأثيبك بالتبن والشعير وبالأصوات الجهيرة وبالإحراق بالنار بأن أخلق فيك الشهوات المتعلّقة بهذه الأشياء فتستلذّها وتنتفع بها غاية اللذّة ، والنفع » ، لما رغب بهذا الوعد في الطاعة . وكذا المعاقب إنّما يستحقّ العقاب ما هو من جملته من المعصية فعلا وامتناعا وهو مزجور بالعقاب ، والعلم باستحقاقه والوعيد به ولا يحصل الزجر إلّا بجنس ما توعّده وألفه من المضارّ ، إذ لو أوعد اللّه المكلّف بغير ما عهده من من المضارّ والآلام ، كأن يقول له : « لو عصيتني لعاقبتك في الآخرة ، بلبس الحرير ، والتناول من لحم الطير والفواكه ومصاحبة الحور العين ، واستماع أصوات الملاهي التي تستلذّها في الدنيا ، بأن أخلق فيك النفار العظيم عن هذه الأشياء فتتألم وتتأذى بملابسة هذه الأشياء وإدراكها » لما انزجر ، بمثل هذا الوعيد عن المعصية . فوجب في الثواب والعقاب أن يكونا من جنس المنافع والمضارّ المعهودة المألوفة ، ليحصل بالوعد والوعيد بهما ، الترغيب في الطاعات ، والترهيب عن